مدرسة الإمام الصادق عليه السلام

مقالات

مدرسة الإمام جعفر الصادق

الأستاذ سليـمان كتـاني

لم تكن المدرسة الجعفرية في خطها التعليمي إلا تكميلية لمدرسة أبيه الباقر ، لقد كانت العلوم كلها في المدرسة الباقرية ابتدائية اختبارية ، رسخها الإمام الراحل ، بنسبة ما سمحت له سياسة العهد الجديد في بغداد - لقد كانت سياسة العهد هذا حريصة في ظلمها الاستبدادي على ترك العلوم والشؤون الفكرية - الفلسفية والفقهية والتثقيفية في عهدة الطالبين أبناء العم ، على أن تكون الأمور التوجيهية محاطة بكثير من المراقبة ، فلا تمس سياسة الدولة في تمتين كرسي الخلافة الآخذة حديثا بالانتقال من الأمويين المنهزمين إلى قبضة فولاذية عباسية سفاكه - لقد ظن العباسيون أنهم موالون لخط الإمامة وأنهم المهتمون منذ أكثر من تسعين سنة برد الخلافة الى خطها الأصيل ، والمحصورة بأهل البيت ولكنهم ما أن باد عهد وبرز عهد حتى راحوا الى نكث المواعيد ، وعزموا على الاستئثار بالحكم ودمغ كرسي الخلافة بختم أبناء العم ، بحجة أنهم كلهم طالبيون والأقوى هو الأولى .

هكذا اصطبغ الجو ببؤس جديد جمد الإمامة هلعها القديم ، وجعلها تستجير بتقيتها ، وتتلابق - ما أمكن _ بتعزيز مركزها الأمامي ، وملئه بكل ما يثقف الأمة ويوجهها الى احتواء الحق كتعويض لها ، حتى يأتي يوم تتمكن فيه من تحقيق ذاتها تحقيقا آخر . وتلك هي الظروف في سماحها لمدرسة الباقر بالاستمرار ، والاتساع والمثابرة .

أما المدرسة الوارثة الجهد ، فإنها انتقلت إلى فخامة أخرى ، تحررت من كل المحاذير ، وانطلقت وسيعة إلى المضمار ، لقد كان العقل المتين رائدها المتين ، إنها الشخصية المتينة الحواشي ، والمطمئنة في باحات ذاتها المتينة ، فرضت جلالها وتقدمت إلى الميدان فإذا هي مهابة لم يخضع لها - وحده - السفاح الذي طواه سريعا رداء الموت ، بل خشع لها أيضا خليفته المنصور المثبت قوائم كرسي حكمه ، قائمة في جرن من لين وقائمة ثانية في بئر من دم ، وثالثة في لطوات من وعد ، ورابعة خلف ميثاق مقطوع منه حبل الوريد ، لقد كان رزمة من ظلم وكذب وختال ، وقل له الصدق وخفر الذمام ، إلا أرزاء جعفر الصادق ، المرخي عليه عينا وسيعة الحق بهية الشفق ، عميقة العلم ، وصادقة الرؤى .

لقد كان كل ذلك عند الإمام مُركّزا على صدق متين لم يتمكن المنصور إلا من أن يأثر عنه ، فتركه ، يكمل خطه الرسالي في مدرسته المثلى ، لقد اقتنع المنصور ، عن فهم وإدراك أن الإمام جعفر لا يريد أبدا تلويث خطه الواسع بأي مطمع بكرسي الحكم ، ولقد أفحم المنصور بأن السياسة عند الإمام إنما هي فن آخر يبعده إلى مطلق سفيّ ، لا لون فيه للسياسة التي يحترفها نهج المنصور .

كثيرا ما تمتن اقتناع الإمام بأن العهد الجديد الذي هو عهد الأعمام بني العباس ، هو أقسى ظلما وأشد عطشا إلى شرب الدم من العهد الأموي السابق الذي كان تهديدا بشعا بإبادة الطالبيين ، وها هم الطالبييون بالذات ، مهددون بالفناء ، إن لم يتداركوا أنفسهم بسياسة مرنة تبقيهم في الخط ، وتبقي لهم إمامة - ولو مقلمة الأظافر - يتعهدونها بعين الحكمة وعين الروية ، ويعبرون بها عن نشاطات كثيرة البراءة ، وقويمة العزم ، تتناول الأمة فيها غذائها الحي ، حتى يأتي يوم تجد ذاتها فيه أنها مثقفة أنيقة .. وعندئذ فإن لها قدما متينة تمشي بها إلى التحقيق .

لقد كان الإمام يدرك أن الأمم الحية تبني بناءا حيا ، وأن الاستمرار هو الذي يكون مادة من مواد البناء وأن التحقيق يأتي يوما بعد يوم ، من دون أن يخيفنا القول : أنه يأتي حقبة بعد حقبة ، أو دهرا بعد دهر ، تأكيدا لما تفوه به الإمام علي ع : جولة الباطل ساعة ، وجولة الحق إلى الساعة .

هذا هو ما جعل الإمام صادقا في قناعة المنصور، بأن كرسي الخلافة ليس مقعده ، وأن السياسة ليست أبدا خطه ، من دون أن يلحظ المنصور أن السياسة الأصيلة بمعناها الصحيح والأصيل ، لم يتخل – مطلقا - عنها الإمام ، فهي محصورة، ضمنا وفعلا، في خط البناء المركز على تثقيف الأمة مع أي مجال ولو طال ، ولن تتم الثقافة إلا بنشر العلم المنتج كشفا عن كل الطاقات المادية والروحية على السواء ، والتي تسدد اقتصاد الأمة وهي تمتن بلوغها المرتاح ، ينوره الفكر وحرية الفكر، والفهم وقدسية الفهم ، والمعرفة وسع المعرفة، والمران واستمرار المران .

حتى ولو أن المنصور تمكن من هذا التفهم لحقيقة سياسة الإمام ، فان ذلك - أيضا - كان من مبتغى الإمام ، لأن مثل هذا التفهم قد ينقل المنصور من ظالم غاشم ، إلى حكم يرعى مهام العلوم وهي تنقل الرعية كلها من جهل عقيم ومقيم إلى وعي ينهض بها وئيدا نحو جعلها هادية وملبية شوق المشترع العظيم . ربما كان بعض من هذا التفهم قد استحازه المنصور، فترك الإمام يوسع المدرسة الموروثة عن أبيه ا لباقر .

هذه إلمامة بنوع السياسة التي اعتمدها اقتناع الإمام ، وهي التي كانت سناده في توسيع المدرسة الجعفرية التي كانت رائدة ذلك العصر، ورائدة العصر التي تلتها حق اليوم .

توسيع المدرسة الجعفرية بعلومها الاختبارية والنظرية :

إن المدرسة الجعفرية التي وصفتها منذ لحظات ، كانت مجرد مسجد بسقف وحيطان يلتم في أفنيته في مدينة يثرب ، طلاب ورواد ، وكان الإمام جعفر أستاذهم الأوحد والأمثل يتبسط أمامهم بالعلوم الاختبارية : كالفيزياء ، والكيمياء ، والطب ، وعلوم الجغرافيا ، إلى جانب علوم آخر في العلوم النظرية ، ومن أبرزها : الفلسفة ، وعلم الحديث ، والفقه ، والبيان ، وإلمامات وسيعة بالشؤون الفكرية - الروحية المتفتحة على حرية إبداء الرأي ، تضبطها كلها الموازين الدقيقة، ومن أحرصها التسجيل والتدوين .

إن وسع المعرفة عند الإمام ، والتركيز العقلي المتين ، وصفاء الذهن تدعمه ذاكرة رادارية اللمح ، مقلوبة عن عدسة بلورية التسجيل ، كل ذلك هو الذي وسع المدرسة وفتح حيطانها وأفنيتها، وجعلها جامعة موسوعية المعارف ، وها هي -حتى الآن - تعيش بأسماء من خرجت : كهشام بن الحكم ، وجابر بن حيان ، ومالك بن أنس ، وأبي حنيفة ، مع عدد وفير من التلامذة الذين فاق عددهم الأربعة آلاف ، وهؤلاء كلهم قد التزمت مدرسة الإمام بأعدادهم للانطلاق إلى كل دائرة يزيدون من توسيعها مع مطالع للأيام .

أما علوم المدرسة الجعفرية ، أكانت اختباريه تفتش عن توسيع أرقام معادلاتها ، أم نظرية تحاول تقصير كلماتها، فليس لي أن أحقق بأي ضلع من ضلوع مستوياتها، لأنها واقعة في حصة غيري من الباحثين ، ولكني - بالوقت ذاته - أشير إليها بجدية بالغة العمق ، لأني أعتبرها كلها في الخط الموحد مع الجانب الاجتماعي والسياسي الذي هو هدف الإمامة الثابت منذ انبثاقها من ضمير الرسالة .

ثانيا - طاقات الإمام وتوحيدها من أجل الاجتماع :

تلك هي إشارات شديدة الاقتضاب ، إلى مجمل العلوم التي تركزت عليها مدرسة الإمام ، ما كان لي أن أجهد النفس في جمعها وتسويقها، لولا اعتباري أنها جانب جليل من بين الجوانب الوسيعة التي تتألف منها شخصية الإمام . ويعني هذا القول أن العلوم الاختبارية التي عالجها الإمام ،كانت رديفا للعلوم النظرية الأخرى الي انبنى بها وزنه ، مع العلم أن كل مادة من هذه العلوم الاختبارية هي فرع وسيع قائم بذاته ، ولا تتم إحاطة ما ، بمحتواه ، إلا بالاختصاص المتنسك ، بينما نرى الإمام الكريم قد جمعها كلها إلى عبه ، وزينها جميعها بالعلوم النظرية التي راحت تفسرها وتألف معها في الأداء والإخراج.

ما كانت فلسفة الإمام إلا بحاجة إلى العلوم ، وما كان علم الإمام إلا بحاجة إلى فلسفة توسع له الطريق ، أي أن العلم يحتاج إلى فلسفة تفتش عنه حتى يتم الوصول إليه ، أي - بشكل أوضح - أن الفلسفة ، في رأي الإمام ، تسبق العلم الموصل إلى اكتشاف الحقائق ، في المحرضة والمفتشة عن نور العلم قبل أن تحقق - هي - أي شعاع من أشعته الكاشفة.

هكذا ربط الإمام فلسفته النظرية بتحقيقاته الاختبارية ، ووجه كل طاقاته الذاتية نحو هدف كبير مخبأ خلف مدى عينه الإمامية المنبثقة النور من مهجة الرسالة التي هي تحقيق مجتمع الإنسان الهابطة من أجله آيات الرسالة .

لقد تم لنا في ما سبق من مقدمات هذا البحث ، أن لمحنا إلى أهمية الإمامة، كيف أنها لزوم إحاطة روحية وفكرية متينة التركيز، يتجلبب بها كل من تنتهي إليه ، ولقد لمحناها- بكل انعكاساتها على كل واحد من فتيانها العظام -كيف كانت ابتكارا في ترجيه الأمة توجيها ملونا بأحداث العصر. لقد قدم كل إمام للأمة ما تستعيض به في مسيرتها المقهورة ، وكان تثقيف الجماهير من أبلغ اهتمامات كل إمام - بمفرده - كذخيرة تصلح وتمتن البناء والتوجيه .

ها هي الأمة الآن بين يدي أعز خبير من خبرائها الطيبين ، وهو المدرك تمام الإدراك أن العلم الكبير هو الباني الأفخم ، والرازم الأولى لمداميك المجتمع ، وأن الكلام المنمق - وحده - لا يبني ، ولا يكفي ، وأن الفلسفة التي هي كلام وتنظير - مهما يكن لونها - وعمق مداها - لا تفيد، ما لم تقترن بشوقها الحار المفتش عن العلم الذي هو عطر الزهرة الهاجع فيها والمشع منها .

من أجل المجتمع الذي هو أمة في الرسالة ، ورسالة في الإمامة ، شحن الإمام كل قواه الفكرية والروحية ، وأعنى بها كل طاقاته النظرية والاختبارية ، وراح يوحدها في رزمة واحدة لتسديد الجهد الكبير الهادف إلى رفع مستوى الأمة التي من أجلها صيغت كل الروابط المشدودة لبناء الإنسان الذي هو عصب الرسالة الأمجد والأروع فوق ساحات الأرض .

فلنستمع مليا إلى كل هدف من أهداف الإمام :

  • اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج.
  • اكتبوا - فانكم لا تحفظون حق نكتبوا.
  • اكتب ، وبث علمك في إخوانك ، وإن مت فورث كتبك بنيك .
  • إن لم تكونوا حملة العلم وناشريه بين الناس فكونوا حفظة له .

لقد كان - بهذا القول - أشد من عول على العلم ، وأول من ارتأى ضبطه بواسطة التدوين ، وأول من أدرك أهميته واعتباره إرثا، وأوص به موروثا مع أعقاب السنين .

ومن أجل المجتمع رزم كتبه في الأخلاق ، والأدب ، والأحكام : الكافي ، ومن لا يحضره الفتيه ، والتهذيب ، والاستبصار. . . وهكذا تم تدوين كثير منها، ومن بينها ما يتعلق بالعلوم التجريبية والنظرية .

ومن أجل المجتمع أطلقت مدرسة الصادق حرية الرأي ، فانتشر المذهب الجعفري جنبا الى جنب ، مع البحوث العلمية ، ولا غرو في ذلك ، فالمعارف الجعفرية كلها كانت مبنية على أربعة أصول : المذهب ، الأدب ، العلم ، العرفان . أما الأدب فهو اللباس الأنيق للعلم والفكر. وهو قيمة جمالية، والأدب ، قد لا يكون علما. ولكن - لا علم يخلو من أدب - وأن المجتمع السليم يقوم بتحلي أفراده بالعلم والأدب .

واحتراما للأدب كان يخصص جائزة لأي صاحب نص أدبي مميز، بواسطة لجنة خماسية، يحكم ثلاثة منها على الأقل ، لاستحتاق الصنيع . ومن أجل المجتمع أعطى دروسا في علم البيئة واختصرها بهذا القول :

على الإنسان ألا يلوث ما حوله لكي لا يجعل الحياة شاقة له ولغيره

وها أن علماء البيئة اليوم ، يرون - صحيحا ما سبق ونوه عنه الإمام الصادق في ذلك العصر، وراحوا يتعهدون العمران بالنظافة، وتوسيع نوافذ البيوت لوصول الشمس ، وإنشاء المغاسل والمجارير لتأمين مثل هذه الصيانة .

فسلام الله عليك

مقالات